ابن عربي
176
فصوص الحكم
ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً . فجاء بصفة الحياة وهي اسمه وأعلم بسلامه عليه ، وكلامُه صدق فهو مقطوع به ، وإن كان قول الروح « والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا » أكمل في الاتحاد ، فهذا أكمل في الاتحاد ( 1 ) والاعتقاد وأرفع للتأويلات ( 2 ) . فإن الذي انخرقت ( 3 ) فيه ( 4 ) العادة في حق عيسى إنما هو النطق ، فقد تمكن عقله وتكمل في ذلك الزمان الذي أنطقه الله فيه . ولا يلزم للمتمكن من النطق - على أي حالة كان - الصدقُ فيما به ينطق ، بخلاف ( 5 ) المشهود له كيحيى . فسلام الحق على يحيى من هذا الوجه أرفع للالتباس الواقع في العناية الإلهية به من سلام عيسى على نفسه ، وإن كانت قرائن الأحوال تدل على قربه ( 6 ) من الله في ذلك وصدقه ، إذ ( 7 ) نطق في معرض الدلالة على براءة أمه في المهد . فهذا أحد الشاهدين ، والشاهد الآخر هو الجذع اليابس فسقط رطباً جنيًّا من غير فحل ولا تذكير ، كما ولدت مريم عيسى من غير فحل ولا ذكر ولا جماع عرفي معتاد ، لو قال نبي آيتي ومعجزتي أن ينطق هذا الحائط ، فنطق الحائط وقال في نطقه تكذب ما أنت رسول الله ، لصحت الآية وثبت بها أنه رسول الله ، ولم يلتفت إلى ما نطق به الحائط . فلما دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى بإشارة أمه إليه وهو في المهد ، كان ( 8 ) سلام الله على يحيى أرفع من هذا الوجه ( 9 ) . فموضع الدلالة أنه عبد الله من أجل ما قيل فيه إنه ابن الله - وفرغت الدلالة بمجرد النطق - وأنه عبد الله عند الطائفة الأخرى القائلة بالنبوة . وبقي ما زاد في حكم الاحتمال في النظر العقلي حتى ظهر في المستقبل صدقه في جميع ما أخبر به في المهد فتحقق ما أشرنا إليه .
--> ( 1 ) ا : الإيجاد - « فهذا أكمل » ساقطة في ن ( 2 ) ب : في التأويلات ( 3 ) ب : انحرفت ( 4 ) ن : به ( 5 ) ب : ساقطة ( 6 ) ن : قرينة . ( 7 ) « ب » و « ن » : إذا ( 8 ) ساقط في « ا » و « ن » . ( 9 ) ساقط في « ا » و « ن » .